محمد بن محمد ابو شهبة
606
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
جبل عليها ، وجعلته سيد ولد ادم على الإطلاق ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه واحده ولا يشرك به شيئا » ! ! ودهش ملك الجبال لما سمع وقال : أنت - كما سمّاك ربك - رؤوف رحيم ! ! نعم - واللّه - لقد صدق من سماه الرؤوف الرحيم ، ومن خاطبه هذا الخطاب الشريف الفذ : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ! ! وهذا هو سيدنا موسى عليه السلام يدخل مدينة من المدن المصرية ، فوجد فيها رجلين يقتتلان ويتضاربان ، أحدهما إسرائيلي من شيعته ، والاخر قبطي من عدوه ، فاستنصر به الإسرائيلي على القبطي ، فضربه بجمع يده ، فقضى عليه فمات ، وما كان موسى عليه السلام يقصد قتله ، وإنما قصد دفعه ، وكثيرا ما يقصد الإنسان قصدا ويحصل خلافه ، فلذلك ندم من فعلته وتاب إلى اللّه توبة نصوحا ، وعزم على عدم العودة لمثل ذلك ، وعاهد اللّه على ألا يكون معينا لمجرم قط « 1 » . ورأس الإجرام هو الكفر ، ويليه المعاصي ، وهذا الوكز وإن أفضى إلى الموت ليس بذنب ، وإنما هو خلاف الأولى ، وكان عليه أن يتثبت قبل الوكز أو يفصلهما عن بعضهما من غير وكز ، وإنما عدّه موسى ذنبا واستغفر اللّه منه لمقام موسى وعلو منزلته على أن يحصل منه ذلك ، وقد قيل : إن ذلك كان قبل نبوته فهو من الصغائر التي يجوز مثلها على الأنبياء ، وهو الظاهر من قول موسى كما حكاه اللّه سبحانه في قوله : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ « 2 » . ومهما يكن من شيء فهذا وأمثاله مما جاء به القران وجاءت به الأحاديث الصحيحة يدل على أن الأنبياء بشر ، وأن الكمال المطلق إنما هو للّه واحده ، وعلى أنهم لشدة معرفتهم باللّه وقربهم منه يستعظمون في حق أنفسهم ما ليس عظيما ،
--> ( 1 ) اقرأ الآيات من سورة القصص : الآيات 15 - 17 . ( 2 ) سورة الشعراء : الآية 21 .